محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

171

الآداب الشرعية والمنح المرعية

إلي لانبساط كان بيننا فقال لي : أغنني أنت بعشرة دنانير وخمس كارات فالصبيان جياع ، وكان يقول : من الناس من يحب الموت فمات قريبا . وقد كان يمكنه أن يشتري من دجلة قرى والحازم من يحفظ ما في يده كما قال سفيان الثوري : من كان بيده شيء من المال فليجعله في قرن ثور فإنه زمان من احتاج فيه كان أول ما يبذل دينه . وقد كان صالح بن الإمام أحمد تولى القضاء بأصبهان فلما قريء عهده بكى وقال ابن عين : أبي تراني وعلي السواد ؟ ولكن ما توليت حتى ركبني الدين وكثر العيال ، وكذلك يحكى عن حفص بن غياث وغيره من القضاة . وقد كان المتوكل يبعث إلى أولاد الإمام أحمد الألوف ، وإنما كان صالح سخيا ، فالسخي الذي لا يحسب إلا خيرا لا يفي سخاؤه بما يلقى إذا افتقر . واعلم أن الإمساك في حق الكريم جهاد لأنه قد ألف الكرم ، كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد . فإنما يستعين الكريم على الإمساك بذكر الحاجة إلى الأنذال . قيل لبعض الحكماء : لم حفظت الفلاسفة المال ؟ فقال : لئلا يقفوا مواقف لا تليق بهم . قال ابن الجوزي : وقد رأيت أنا ببغداد من الصوفية من كان له مال ودخل فكان الخلق يتقربون إلى السلاطين ويطلبون منهم وهو لا يبالي فكنت أغبطه على ذلك ، لأن من احتاج إلى السلاطين يذلونه ويحتقرونه وربما منعوه ، فإن أعطوه أخذوا من دينه أكثر . قال الرشيد لمالك بن أنس : أتيناك فانتفعنا وأتى سفيان بن عيينة فلم ننتفع به ، وكان ابن عيينة يقول : قد كنت أوتيت فهما في القرآن فلما أخذت من مال أبي جعفر حرمت ذلك . وإن احتاج الإنسان إلى العوام بخلوا فإن أعطوا تضجروا ومنوا . وقل من رأيناه ينافق أو يرائي أو يتواضع لصاحب دنيا إلا لأجل الدنيا ، والحاجة تدعو إلى كل محنة ، قال بشر الحافي : لو أن لي دجاجة أعولها خفت أن أكون عشارا على الجسر : فينبغي للعاقل أن يجمع همه ليقبل على العلم والعمل بقلب فارغ من الهم وبعد فإذا صدقت نية العبد وقصده رزقه اللّه تعالى وحفظه من الذل ودخل في قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ سورة الطلاق : الآية 2 - 3 ] . ويأتي كلام ابن عقيل نحو ثلثي الكتاب في إخراج المال والكرم واللّه أعلم . وقال أيضا في كتاب السر المصون من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل الفضائل ، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل زادت المرتبة في دار الجزاء ، انتهب الزمان ولم يضيع لحظة ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها ، ومن وقف لهذا فليبتكر زمانه بالعلم ، وليصابر كل محنة وفقر ، إلى أن يحصل له ما يريد ، وليكن مخلصا في طلب العلم عاملا به حافظا له ، فإما أن